الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

199

انوار الأصول

بالموضوع المنوط به التكليف يتوقّف غالباً على الفحص بحيث لو أهمل الفحص لزم الوقوع في مخالفة التكليف كثيراً تعيّن هنا بحكم العقلاء اعتبار الفحص ثمّ العمل بالبراءة كبعض الأمثلة المتقدّمة فإنّ إضافة جميع علماء البلد أو أطبّائهم لا يمكن للشخص الجاهل إلّا بالفحص ، فإذا حصل العلم ببعض واقتصر على ذلك نافياً لوجوب إضافة ما عداه بأصالة البراءة من غير تفحّص زائد على ما حصل به المعلومين عدّ مستحقّاً للعقاب والملامة عند انكشاف ترك إضافة من يتمكّن من تحصيل العلم به بفحص زائد ( انتهى كلامه ) « 1 » . أقول : الإنصاف في المسألة هو التفصيل بين موارد الشبهة ، فتارةً تكون ممّا أحرز اهتمام الشارع به جدّاً كما في الفروج والدماء وإنقاذ نفوس المؤمنين ونحوها فلا تجري البراءة فيها حتّى بعد الفحص بحدّ اليأس إذا كانت الشبهة باقية على حالها ، فإذا احتمل أنّ هذا سمّ قاتل بمجرّد شربه لم يجز شربه ولم تجر البراءة حتّى بعد الفحص إذا بقيت الشبهة على حالها ، هذا بالنسبة إلى البراءة النقليّة ، وكذلك البراءة العقليّة فإنّها لا تجري في مثل هذه الأمور المهمّة بناءً على مبنى المشهور فضلًا عن المبنى المختار من عدم كون قاعدة قبح العقاب بلا بيان قاعدة عقليّة بل العقل يحكم بالاحتياط مطلقاً ، وأمّا بناء العقلاء فكذلك ، حيث لا إشكال في أنّ بنائهم على الاحتياط في الأمور المهمّة ، وحينئذٍ لا ريب في أنّه باستكشاف وجوب الاحتياط شرعاً في مثل هذه الأمور المهمّة من شدّة اهتمام الشارع بها يقيّد إطلاقات أدلّة البراءة الشرعيّة لو سلّم إطلاقها وعدم انصرافها عن مثل هذه الأمور . وأخرى يكون المورد ممّا يحصل العلم فيه بأدنى فحص ونظر ، وبتعبير المحقّق الحائري رحمه الله يكون العلم في كُمّه ، فيحصل مثلًا بالمراجعة إلى دفتره الخاصّ ليرى أنّه مديون لزيد مثلًا أو لا فلا إشكال في أنّ بناء العقلاء على وجوب الفحص والمراجعة والتأمّل في مثل هذه الأمور ، ولا يجوز الأخذ ببراءة الذمّة عند الشكّ من دون مراجعة . وثالثة يكون المورد المشكوك من الموارد التي تقتضي بماهيّته الفحص والاختبار ، فيكون ممّا لا يعلم غالباً إلّا بالفحص والمراجعة على نحو كأنّ الأمر به شرعاً مستلزم عرفاً لوجوب الفحص عنه ، وإلّا لم يمتثل إلّا نادراً ، كما في الشكّ في بلوغ المال بحدّ الاستطاعة أو النصاب ،

--> ( 1 ) الرسائل : ج 2 ، ص 524 - 526 ، طبع جماعة المدرّسين .